قصة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

جملة “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ” تعد أحد الأمثال الشعبية التي ذكرت في الماضي في الوطن العربي. وترددت على لسان الكثير من الأفراد، و طبعا كلمة السفن هنا تشير إلى رب السفينة وليست تطلق على السفينة نفسها،

مقالات للقراءة:

العشرة المبشرين بالجنة بالترتيب

كلام عن الاخ قصير مكتوب

اقوي رسائل تهنئة مبروك المولود الجديد

أصل مقولة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

هذه المقولة هي واحدة من أبيات الشعر الخاصة بالمتنبي، وهو أبي الطيب المتنبي أشهر شعراء العصر العباسي، وبيت الشعر يقول ما كل ما يتمنى المرء يدركه. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ومعنى بيت الشعر هو أن ظروف الحياة متغيرة ولا تسير ظروف الحياة دائمًا كما يريد الفرد. تكساس هولدم وتدل كلمة السفينة هنا كناية عن صاحب السفينة. حيث أن نجد في أغلب الأوقات أن الرياح تأتي لتواجه السفن الكبيرة. ويمكن أن تتحكم الرياح في حركة السفينة، كما يمكن أن تغير اتجاه السفينة من اتجاه لأخر. والجدير بالذكر أن هذا المثل يتردد على ألسنة الكثير من الأفراد منذ الماضي وحتى وقتنا الحالي. العاب تجيب فلوس وذلك لأن مقولة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن تشير للكثير من الأمور في حياتنا اليومية. لهذه الجملة عدة معان وتفسيرات ، حيث تقال للتعبير عن خيبة الأمل تجاه أمر كان يتوقع حدوثه ، ويتم تشبيه ذلك بالسفن التي تسير سعيا وراء الرزق ، ولكن الرياح قد لا تكون مواتية وتعيق تحقيق الهدف ، ولذا نستخدم هذا التعبير للأمور التي يسبقها الأمل وتنتهي بخيبة أمل ، وأيضا تعني أن أماني الإنسان وأهدافه التي يسعى لتحقيقها ويجتهد للوصول إليها قد تتعرض لعوامل طارئة وغير متوقعة أو صعوبات تمنع تحقيقها ، ولذا على الإنسان دائما أن يضع احتمالات الفشل وعدم تحقيق الأماني والأهداف ، ويضع احتمالات لحدوث أشياء لم تكن في الحسبان أو معوقات تمنعه من تحقيق هدفه وأمله ، فإذا فعل ذلك لا يصاب بخيبة أمل شديدة عندما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .

القصيدة التي ذكر بها هذا المثل

  • بِمَ التَعَلُّلُ لا أَهلٌ وَلا وَطَنُ                   وَلا نَديمٌ وَلا كَأسٌ وَلا سَكَنُ
  • أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني                 ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفسِهِ الزَمَنُ
  • لا تَلقَ دَهرَكَ إِلّا غَيرَ مُكتَرِثٍ               مادامَ يَصحَبُ فيهِ روحَكَ البَدَنُ
  • فَما يَدومُ سُرورٌ ما سُرِرتَ بِهِ               وَلا يَرُدُّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ
  • مِمّا أَضَرَّ بِأَهلِ العِشقِ أَنَّهُمُ                  هَوُوا وَما عَرَفوا الدُنيا وَما فَطِنوا
  • تَفنى عُيونُهُمُ دَمعاً وَأَنفُسُهُم                   في إِثرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ
  • تَحَمَّلوا حَمَلَتكُم كُلُّ ناجِيَةٍ                     فَكُلُّ بَينٍ عَلَيَّ اليَومَ مُؤتَمَنُ
  • ما في هَوادِجِكُم مِن مُهجَتي عِوَضٌ         إِن مُتُّ شَوقاً وَلا فيها لَها ثَمَنُ
  • يا مَن نُعيتُ عَلى بُعدٍ بِمَجلِسِهِ               كُلٌّ بِما زَعَمَ الناعونَ مُرتَهَنُ
  • كَم قَد قُتِلتُ وَكَم قَد مُتُّ عِندَكُمُ             ثُمَّ اِنتَفَضتُ فَزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ
  • قَد كانَ شاهَدَ دَفني قَبلَ قَولِهِمِ               جَماعَةٌ ثُمَّ ماتوا قَبلَ مَن دَفَنوا
  • ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ               تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ
  • رَأَيتُكُم لا يَصونُ العِرضَ جارُكُمُ           وَلا يَدِرُّ عَلى مَرعاكُمُ اللَبَنُ
  • جَزاءُ كُلِّ قَريبٍ مِنكُمُ مَلَلٌ                   وَحَظُّ كُلِّ مُحِبٍّ مِنكُمُ ضَغَنُ
  • وَتَغضَبونَ عَلى مَن نالَ رِفدَكُمُ             حَتّى يُعاقِبَهُ التَنغيصُ وَالمِنَنُ
  • فَغادَرَ الهَجرُ ما بَيني وَبَينَكُمُ                يَهماءَ تَكذِبُ فيها العَينُ وَالأُذُنُ
  • تَحبو الرَواسِمُ مِن بَعدِ الرَسيمِ بِها           وَتَسأَلُ الأَرضَ عَن أَخفافِها الثَفِنُ
  • إِنّي أُصاحِبُ حِلمي وَهوَ بي كَرَمٌ           وَلا أُصاحِبُ حِلمي وَهوَ بي جُبُنُ
  • وَلا أُقيمُ عَلى مالٍ أَذِلُّ بِهِ                    وَلا أَلَذُّ بِما عِرضي بِهِ دَرِنُ
  • سَهِرتُ بَعدَ رَحيلي وَحشَةً لَكُمُ              ثُمَّ اِستَمَرَّ مَريري وَاِرعَوى الوَسَنُ
  • وَإِن بُليتُ بِوُدٍّ مِثلِ وُدِّكُمُ                     فَإِنَّني بِفِراقٍ مِثلِهِ قَمِنُ
  • أَبلى الأَجِلَّةَ مُهري عِندَ غَيرِكُمُ             وَبُدِّلَ العُذرُ بِالفُسطاطِ وَالرَسَنُ
  • عِندَ الهُمامِ أَبي المِسكِ الَّذي غَرِقَت         في جودِهِ مُضَرُ الحَمراءِ وَاليَمَنُ
  • وَإِن تَأَخَّرَ عَنّي بَعضُ مَوعِدِهِ               فَما تَأَخَّرُ آمالي وَلا تَهِنُ
  • هُوَ الوَفِيُّ وَلَكِنّي ذَكَرتُ لَهُ                  مَوَدَّةً فَهوَ يَبلوها وَيَمتَحِنُ

من هو أبو الطيب المتنبي؟

وُلد المتنبي في الكوفة سنة ثلاث وثلاثمائةً في منطقةٍ تُسمى كِندة، وقد اختلف المؤرخون في نسبه، فمنهم من نسبه إلى قبيلة كندة ، ومنهم من نسبه إلى حيّ كِندة في الكوفة مكان ولادته، وأنكروا نسبة إلى قبيلة كِندة، كما واختلف المؤرخون أيضاً في اسم والده، فمنهم من قال أنّ اسم المتنبي هو أحمد بن الحسين بن مرّة بن عبد الجبار الجعفي، ومنهم من قال أن اسمه أحمد بن محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي. وأخبر آخرون أن اسمه أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي، وقال البعض أن والده كان شيخاً يسمى عبدان، ولم يأتِ المتنبي على ذكر والده في ديوانه أبداً، فلم يمدحه أو يفتخر به، ولم يَرْثه حين مات، حتى يخالُ البعض أنّه لا يعرفه، ولم يستطع المؤرخون معرفة سبب تجاهل المتنبي لذكر والده في شعره، أمّا أمّه فلا يُعرف عنها اسمها ولا أصلها ولا من أي البلاد هي، إلا أنّه من المعروف أنّه بعد موتها كفلته أمها التي هي جدّته، وعطفت عليه وأحبته حباً كبيراً، وربته إلى أن اشتد عوده وأصبح رجلاً، ولم يُعرف اسمها أيضاً ولا اسم أبيها، لكنّ بعض الرواة ذكروا أنّها كانت من الكوفة وأنها تُنسب إلى بني همدان، وأنّها كانت امرأةً صالحةً، كما أنّ المتنبي لم يذكر عن نسبها شيئاً في ديوانه، لكنّه أشار إلى أنّ نسبها كان كريماً في هذا البيت الذي رثاها فيه حين ماتت فقال: لَوْ لمْ تَكُوني بِنْتَ أكْرَمِ والِدٍ لَكانَ أباكِ الضّخْمَ كونُكِ لي أُمّا , ويعتبر المتنبي شاعرٌ وحكيمٌ عربيٌّ شهيرٌ، عُرف بشخصيته المميزة وما كان يكتنفها من غموض، وشعر المتنبي حيّر الناس، واستعصى عليهم فهم مقاصده، وهي الأسباب التي دعت ابن رشيق ليلقِّبه بمالئ الدنيا وشاغل الناس، والجدير بالذكر أنّ اي شاعراً لم يحظَ شعره بما حظي به شعر المتنبي من اهتمامٍ وعنايةٍ، إذ قام بشرحه أفذاذ اللغة وعلماؤها،وقد ترك المتنبي وراءَه عدداً كبيراً من القصائد المتنوّعة، والتي بلغ عددها ثلاثمائة وستة وعشرون قصيدةً، وتعتبر هذه القصائد سجلّاً تاريخياً لأحداث عصره في القرن الرابع الهجريّ، كما وتعتبر بمثابة سيرةً ذاتيةً للشاعر، حيث يستطيع القارئ من خلالها معرفة كيف جرت الحكمة على لسانه وكيف تطورت، لا سيّما في قصائده الأخيرة قبل موته.وتختَلفُ الأقوال في سبب تسمية المُتنبّي باسمه هذا، فقد قيل في ذلك انه من ادّعاء النبّوة في شبابه، وقد لقيَ عِقاب ادّعائه من والي حمص فسُجِن؛ إلّا أنّ هذه الرواية غالبا مُلفّقة ولا صحّة لها، وقيل ايضا انه لقب بالمتنبي لما وردَ عنه من ورعٍ في خُلقه، فقد كان آخذاً نفسه بالجدّ ومُنصرفاً للعلم ومبتعداً عن الفواحش، وقيل ايضا عن أبي علاءٍ المعرّي قوله في كتابه معجز أحمد أنّ المُتنبّي لُقّب بهذا اللقب نسبة إلى النَبْوَة، ومعناها المكانُ المرتفع؛ إشارةً لرفعة شِعره وعُلوّه لا إشارةً لادّعائه النبوّة.وقد كانت حياة المتنبي زاخرة بالمحطات والمراحل التي صاغت تجربته الأدبية، فقد التحق المتنبي بكُتَّابٍ كان فيه أبناء أشراف العلويين لتلقّي علوم اللغة العربية من شعر، ونحو، وبلاغة، وكان إضافةً إلى ذلك يقضي معظم أوقاته ملازماً للورّاقين لكي يقرأ في كتبهم فاكتسب معظم علمه من ذلك، وقد عُرف عن المتنبي حبه الشديد للعلم والأدب، كما أنّه تمتع منذ صغره بالذكاءِ وقوة الحفظٍ، وقد أخبر أحد الرواة قصةً طريفةً عن قوة حفظه في صباه، وهي أنّ أحد الوراقين أخبر أنّ أحدهم جاء ليبيع كتاباً يحوي نحو ثلاثين صفحة. وكان المتنبي عنده حينها، فأخذ الكتاب من الرجل وصار يقلّب صفحاته ويطيل النظر فيها، فقال له الرجل: يا هذا لقد عطلتني عن بيعه، فإن كنت تبغي حفظه في هذه الفترة القصيرة فهذا بعيدٌ عليك، فقال المتنبي: فإن كنت حفظته فما لي عليك؟ قال الرجل: أعطكيه، فقال الوراق: فامسكت الكتاب أراجع صفحاته والغلام يتلو ما به حتى انتهى إلى آخره، ثم استلبه فجعله في كُمِّه ومضى لشأنه. أقام المتنبي في البادية أكثر من سنتين عاشر فيهما الأعراب وأفاد منهم، حيث اكتسب الفصاحةَ وتمكّن من اللغة العربية بشكلٍ كبيرٍ، ومن الجدير بالذكر أنّ المتنبي كان كثير الرواية جيد النقد، وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطّلعين على غريبها وحوشيِِّها، كما أنّه لم يكتفِ بما حصل عليه من علمٍ من مصاحبة الأعراب في البادية، ومن ملازمة الورّاقين، ولا ممّا تعلّمه في كتّاب الكوفة، بل اتصل أيضاً بالعلماء وسافر إليهم وصاحبهم، وتعلّم على أيديهم،.وقد رحل المتنبي إلى بغداد فقد جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: “وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد”، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ ذلك الرحيل، كما أنّ المؤرخين لم يذكروا هذا التاريخ أيضاً، لكن من الراجح أن يكون قد رحل إليها سنة تسع عشرة وثلاثمائة. ورحل أيضا إلى بلاد الشام والتقى بسيف الدولة فقد ذكر المعرّي في رسالة الغفران أنّ أبا الطيب كان قد رحل إلى بلاد الشام سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ويقال إنّه كان في الثامنة عشرة من عمره آنذاك، وكان يرنو إلى المجد والعلياء، وهذا ما جعله يقيم في الشام وينظم شعر المديح، وكانت حينها قد قامت في المنطقة حروب عدّة بسبب الصراع على السلطة، انتهت بسيطرة سيف الدولة الحمدانيّ على حلب سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وبقاء دمشق تحت سيطرة الإخشيدييّن. ممّا دفع المتنبي حينها لمدح بعض الرجال الذين حاربوا في تلك المعارك أمثال: مساور بن محمد الرومي، والحسين ابن عبد الله بن طغج، وطاهر العلوي، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المتنبي كان قد سُجن في الشام أيام شبابه، وقد أجمع الرُّواة على ذلك، كما أنّ المتنبي نفسّه أخبر عن ذلك في شعره، إلا أنّه كان قد اختلف مع رواة سيرته في أسباب السجن، إضافةً إلى اختلاف الرواة فيما بينهم. تنقّل المتنبي في بلاد الشام مادحاً أمراءها، وكان في مدحه لهم يحثّهم على التصدي لأعداء العرب المتربّصين بالدولة من الخارج والداخل، لا سيّما الروم الذين كانوا يشنّون الغارات الحربية على الجيوش العربية، فأقام المتنبي عند بدر بن عمار والي طبريّا فترةً من الزمن امتدت من سنة 328هـ إلى أوائل سنة 333هـ، ثم اتّصل بعد ذلك بأبي العشائر الحمدانيّ والي أنطاكية، والذي يتبع للأمير سيف الدولة الحمدانيّ، ومنه اتصل بسيف الدولة الحمداني. فشعر المتنبي حينها أنّه عثر على ضالّته، إذ وجد في سيف الدولة صفات القائد التي كان يَنشُدها في الحاكم العربيّ، فقد كان سيف الدولة فارساً هُماماً، وكان أكثر بني حمدان فِطنةً وذكاءً، وحباً وإخلاصاً للعرب، وغيرةً على دينهم، فكان يسعى إلى توحيد العرب وإعادة مجدهم السليب وسلطتهم المُنتزعة، وكان أثناء ذلك يتصدّى لهجمات الروم المتكررة على العرب، فوضع المتنبي آماله في استعادة عزّة العرب بين يديه، ونشأت بين الشاعر والأمير علاقة ودٍ ومحبةٍ قلّ مثيلها، فعاش المتنبي في كنف سيف الدولة أزهى أيام حياته، ونظم فيه الشعر الذي خلّد ذكره على مر العصور.وقد أقام المتنبي عند سيف الدولة تسع سنين انقطع فيها لمدحه , وقد كانت الفترة التي مكثها المتنبي إلى جانب سيف الدولة أكثر فترات حياته عطاءً، فقد نظم في سيف الدولة أكثر من ثمانين قصيدةٍ ومقطوعةٍ، وكانت من أجود وأروع شعره، بل تستحق أن يقال عنها إنّها من أجمل ما نظم العرب، وقد تنّوع شعر أبي الطيب في تلك الفترة مع تنوع أحداث حياة سيف الدولة، فقد كان شعره خلال تلك السنوات يدور في فلَكه رغم تنوّع فنونه، فحين كان الأمير يحارب كان المتنبي يمدحه ويصف بطولاته في المعارك سواء كان منتصراً أم مهزوماً. وحين كانت تثور عليه الرّعية ويعيدها إلى طاعته بحنكته، كان المتنبي يمدحه معجباً بأُسلوب تعامله مع رعيته، بالإضافة إلى ما كان ينظمه من رثاء عند وفاة أحد خاصته، ولا يخلو الأمر من أشعار عتاب واستعطاف كان ينظمها حين يشي بينه وبين الأمير الوشاة ليعيد العلاقة بينهما إلى صفوها، ولم يتورّع المتنبي عن هجاء حسَّاده وخصومه عند الحاجة، وكان هذا إلى جانب اهتمامه في وصف جهاد المسلمين ضد الروم، حيث أبدع في هذا الفن القديم ونّماه وطوّره. ولم يدُم للمتنبي نعيم الود بينه وبين سيف الدولة، فقد أوغر الحُسّاد والوشاة صدر الأمير على الشاعر، فكان يدافع عن نفسه بالهجوم تارةً والاستعطاف تارةً أخرى والافتخار بنفسه مرات عدة وكان افتخاره بنفسه و ازدراؤه لخصومه يزيدهم بغضاً به وحسداً له، فيزيدون كيّداً ووشايةً للإيقاع بينه وبين الأمير، إلى أن نجحت مساعيهم في ذلك مرّة فغضب منه فيها سيف الدولة و جافاه، فأنشد المتنبي قصيدة يعاتبه بها فعفا عنه الأمير، وهدأت الأحوال بينه وبين خصومه فترةً من الزمن ليست بطويلةٍ ما لبث أن عاد بينهما بعدها الكَدَر من جديد، لا سيما بعد أن تعرّض المتنبي للإهانة في مجلس سيف الدولة من النحوي ابن خالوّيه أثناء مناظرةٍ بينهما، حيث شج الأول رأس المتنبّي بمفتاح كان في يده أثناءها، فخرج المتنبي من مجلس الأمير غاضباً يجر أذيال الخيبة، وضاق به المقام في حلب، فعزم على الرحيل إلى مملكة الإخشيديين, وغادر أبو الطيب حلب سنة 346هـ وهو كاره لذلك، فاتّجه في البداية إلى دمشق، ثم شاءت الأقدار أن يذهب إلى مصر حيث استدعاه كافور الإخشيدي، وحين وصل إلى مصر كان مجروح الفؤاد، مكسور الخاطر، فأقام إلى جوار كافور خمس سنواتٍ مدحه خلالها بعدة قصائد ليس حباً وإعجاباً، إنما أملاً في تحقيق ما كان يصبو إليه من رفعة وعُلّو شأن، وكان كافور يعرف ذلك جيداً ويعرف أنّ المتنبي لم يَكنْ يُضمر له المحبة والود، فخلى به ولم يحقق له شيئاً من أمانيه، بل ضيّق عليه وعاداهُ، وزاده فوق همّه همّاً، فكَره الشاعر الإقامة في مصر، وبعد أنّ مدح كافور عاد وهجاه، وقد سميت قصائده في مدح كافور وهجائه في تلك الفترة بالكافوريّات، وقد كان لمحنة المتنبي ومعاناته أثناء وجوده في مصر أكبر الأثر في شعره، حيث كان مختلفاً عن كل شعره السابق، إذ اتّسم شعره في تلك السنوات بمهارات عديدةٍ، وقد وضع فيه خلاصة تجارب حياته كلّها.

Check Also

12 Ideal Totally Free Fetish Sites (Per Ft, Femdom, Gay, Chat e BBW)

Il migliore fetish internet sites supply ftroie a Piacenzacile accesso a piacevole esperienze e alla …